المحاكمة (1)
كتبهااحمد سماحه ، في 1 مايو 2009 الساعة: 21:48 م
أحمد سماحة
ليس الفلاسفة وحدهم من يحاول أن يبعث الدلالة الفلسفية في كلمات اللغة اليومية، ولكن الساسة والعسكر دخلوا في هذه اللعبة، فصرنا نرى دلالات فلسفية لكلمات كثيرة مثل "التطبيع، الخطوة خطوة، المكوكية.. وغيرها".
ويقول "كونديرا" الروائي الشهير في هذا الصدد: سبق الروائيون الفلاسفة. فالروائيون وهم يسيرون مواقف شخصياتهم، يهيثون مفرداتها الخاصة، غالبا بكلمات جوهرية لها طابع المفهوم وتتجاوز الدلالة المحددة بالقواميس.
وبفضل رواية "المحاكمة" اورثنا كافكا كلمتين مفهومتين اصبحتا ضرورتين لفهم العالم الديث هما "محكمة ومحاكمة" فوفقا لما طرحه "كافكا" وتناوله "كونديرا" لم لم تعد المحكمة هي المؤسسة القانونية المخصصة لمعاقبة الخارجين عن القانون.. وإنما أصبحت بالمعنى الذي اعطاه لها كافكا هي القوة التي تحاكم. وهي تحاكم لانها قوة وقوتها فحسب هي التي تعطى المحكمة شرعيتها.
أما المحاكمة المقامة من قبل المحكمة فهي "دوما مطلقة وهذا يعني انها لات تعلق فقط بفعل منعزل وجريمة محددة".
وعندما نطبق هذا المفهوم الذي طرحه كافكا على ما يجري حولنا من احداث وعلى ما جرى من قبل نجد ان كافكا سبق عصره في قراءة الواقع المريع الذي تفتقت عنه بعد ذلك الحياة الحديثة والنهضة الصناعية وعصر العولمة بكل تعقيدته ومتاهاته التي ضاع فيها إنسان العصر.
فالقوة التي تحاكم لانها قوة فحسب اصبح لها وجودها المتمثل في القوة العظمى وإدارة احداث الحادي عشر من سبتمبر وما قبلها تؤكد ذلك. والقوة التي تحاكم لانها قوة فحسب تتمثل ايضا فيما يحدث في الأرض المحتلة.. والمحاكمة مطلقة في هذا الأمر أيضا فهي لا تبقى في حدود حياة المتهم ولكنها تتعدى إلى جنسيته وعشيرته فالجريمة أو الخأ الذي يرتكب من شخص عربي يتضمن العرب جيمعا في كل زمان، فروح المحاكمة لا تفسح مجالا لإمكانية التقادم فالماضي البعيد هو حي كحدث اليوم وحتى عندما تموت فانك لن تفلت منه لقد دفع بلك كافكا في المحاكمة في المحكمة دون جرم ودون سبب مما دعاه إلى ان يفتش في تاريخه كله ليبحث عن خطأ يبرر العقاب الذي سيناله في المحاكمة. فثمة عقاب يبحث عن خطيئة.. فكل شخص (دولة) يمكن ان يتهم في أية لحطة لذلك يجتر مقدما نقدا ذاتيا ينكر فيه ذاته بل يلغيها تماما. والمحاكمة عند كافكا و(الآن) ليس من اجل تحقيق العدل وانما لافناء المتهم.. وحتى حين تقام محاكمة لأموات فذلك لكي تتمكن المحاكمة من اعدامهم مرة ثانية اما باحراق تاريخهم بعد نبشه أو أزالة أسمائهم من صفحات التاريخ.
ان ذاكرة المحاكمة ذاكرة هائلة فهي ذاكرة خاصة جدا بمعنى انها تنسى كل ما ليس جريمة، فثمة اختصار سيرة المتهم إلى سيرة الجريمة وامتثالية العالم للمحاكمة تجعل العقل يدور في دهاليز كثيرة متاهة تأخذه إلى التاريخ والجغرافيا والعقيدة وغيرها، وتفقده اليقينات عن الإنسانية. إذا نجحت روح (المحاكمة) برأي كونديرا في الغاء ثقافة هذا القرن فلن يبقى وراءنا الا ذكرى فظائع غناها كورس اطفال، وسنخرج من القرن حمقى كما دخلناه حمقى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات-المحاكمه
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























مايو 3rd, 2009 at 3 مايو 2009 1:29 م
فثمة عقاب يبحث عن خطيئة..
………………………………….
الفاضل أحمد
طالما بعدنا عن انسانيتنا وفطرتنا
فلن نترك وراءنا الا أهوال وفظائع ..
دمت بخير
كل الود .
مايو 3rd, 2009 at 3 مايو 2009 8:48 م
الاستاذه المبدعه/هند
هذا المرور الفاعل يسعدني كثيرا
دمتي مبدعه
احمد